الاثنين، 22 يونيو 2015

الأدب العظيم

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
        محاضرة بعنوان:   الأدب العظيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى اله وصحبه أجمعين.... وبعد
أختي في الله:
    استعمَال الخُلق الجميل والوقوف مع المستحسن النبيل، والتحلي بمكارم الصفات واجتناب معايب المروؤات كل ذلك حقيقة الأدب، الذي هو أصل كل خير، ونواة كل معروف، فهو الشرف المضي، والنهجُ المرضي.

لكل شيء زينة في الورى *** وزينـة الـمرء تمام الأدبْ
قـد يـشرف المرء بآدابهِ *** فينا وإن كان وضيع النسبْ

       الأدب -يا أمته الله- سلوك الأنبياء، وشعار الأتقياء، وديدن الحكماء، وعلامة الألباء، ما استعمل عبد الأدب إلا ارتفع، وما جانبه إلا سَفُلَ ووُضِع، وإذا كان الأدب مع الخلق من أجل المهمات، فماذا عن الأدب مع الخالق -جل جلاله- عظيم الصفات؟!!
        إنه أرفع مراتب الأدب وأعلاها، وأجلُّها وأزكاها، فما تأدب متأدب بأحسن من أدبه مع ربه وخالقه، وما أساء امرؤ الأدب بأشنع من إساءته الأدب مع سيده ورازقه.

    والأدب يكون بتعظيم الله تعالى واجلاله قال ابن القيم في منزلة التعظيم : (هذه المنزلة تابعة للمعرفة، فعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الربّ تعالى في القلب، وأعرف الناس به أشدهم له تعظيمّاً وإجلالاً، وقد ذم الله تعالى من لم يعظمه حق عظمته، ولا عــرفـــــه حق معرفته، ولا وصفه حق صفته، قال تعالى: {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} [نوح:13]، قال ابن عباس ومجاهد: لا ترجون لله عظمة، وقال سعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته. وروح العبادة هو الإجلال والمحبة، فإذا تخلى أحدهما عن الآخر فسدت)   أ.هـ كلامه رحمه الله.
         وتعظيم الله وإجلاله لا يتحقق إلا بإثبات الصفات لله تعالى، كما يليق به سبحانه، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، والـذيـــن ينكرون بعض صفاته تعالى ما قدروا الله عز وجل حق قدره، وما عرفوه حق معرفته، ولما كان من أسماء الله تعالى الحسنى: المجيد و الكبير و العظيم فإن معنى هذه الأسماء: أن الله عز وجل هو الموصوف بصفات المجد والكبرياء والعظمة والجلال، الذي هو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وأجلّ وأعلى، وله التعظيم والإجلال، في قلوب أوليائه وأصفيائه، قد ملئت قلوبهم من تعظيمه، وإجلاله، والخضوع له، والتذلل لكبريائه.

ويقول العلامة محمد الأمين الشنقيطي في هذا المقام: (إن الإنسان إذا سمع وصفاً وصف به خالق السموات والأرض نفسه، أو وصفه به رسوله، فليملأ صدره من التعظيم، ويجزم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والجلال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقـيـن، فـيكـــون القلب منزهاً معظماً له جلّ وعلا، غير متنجّس بأقذار التشبيه...).
    والتأدب معه سبحانه وتعالى عند عباده يكون باتباع ما أمر به واجتناب ما نهى عنه فهناك أشياء يحبها وأشياء يكرها وأكثر شيء يكرهه الله تعالى هو الشرك فمن صرف العبادة لغير الله تعالى فقد أشرك، ولا يظن الإنسان أنه في أمان من هذا الشرك، ورد في سورة ابراهيم عليه السلام أن ابراهيم عليه السلام دعا ربه دعوة لو تفكرنا بها لما أمن الانسان أبداً فقال: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} سبحان الله.. ابراهيم أبو الأنبياء يخاف من أن يعبد الأصنام، ويخاف أن يقع في الشرك، ماذا نقول نحن؟ إن كثير من الناس يستبعد أن يقع في الشرك مع أنه يوجد نوع من الشرك بين كثير من المسلمين ويقعون في الشرك ... كيف؟

إنه الرياء ... الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم [الشرك الخفي] لأنه يخفى على كثير من الناس، هذا النوع كان أكثر ما يخافه النبي صلى الله عليه وسلم علينا حتى أنه قال:{أخوف ما أخوف عليكم الشرك الأصغر الرياء} رواه البخاري
          لماذا كان النبي يخاف علينا من الرياء؟ مشكلة الرياء أن صاحبه يعمل العمل الصالح ويتعب فيه لكنه في النهاية يخسر كل ثوابه وأجره، وعندما الله يجازي العباد في الآخرة يقول للمرائين: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟
تعب في الدنيا، ولم يأخذ أجراً في الآخرة ! نعم فقد جعل نية أخرى في قلبه مع الله ولم يقصد الله وحده .. وربنا سبحانه غيور لا يرضى أن يكون معه أحد في العمل وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يقول :{ أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري ، تركته وشركه} رواه مسلم

لكن توجد مشكله عند بعض الناس أنه دائما يشعر أنه مرائي دائما يقول له الشيطان: أنت مرائي     و هو قد تعب من ذلك , ماذا يفعل ؟
توجد ثلاثة أسئلة إذا أجبت عليها  فقد بان المرض وشفيت منه
عندما تفعل عبادة من العبادات .. هل أنت من تقرر أنك مرائي أم مخلص أم الشيطان هو الذي يقرر بالنيابة عنك من الذي يملك قرار الإخلاص أنت أم الشيطان ؟
الجواب : أنا طبعًا !
هذا الذي يوسوس لك: أنت مرائي, و يفسد عليك خشوعك في العبادة ..
هل هو ملك من الملائكة , أم شيطان من الشياطين ؟
الجواب: لا شك أنه شيطان من الشياطين.
السؤال الأخير : في العبادة .. هل سيحاسبك الله على قراك أم على وسوسة الشيطان ؟
الجواب : طبعًا .. سيحاسبني على قراري  و ليس على وسوسة الشيطان ..
إذن مادام الأمر كذلك .. فلماذا تخاف من شيء لن يحاسبك الله عليه !؟ دعه يوسوس إلى أن يحترق ..ما الذي يهمك أنت لا يوجد رياء يُجبر عليه إنسان.. إذا أردت أنت أن ترائي سترائي ..  و إذا أردت أن لا ترائي فلن ترائي ! و هل تعلم بأنك لست مرائي ؟ لأنك متضايق من هذا الشعور , فلو كنت مرائي لما تضايقت , المرائي يريد أن يرائي فلماذا  يتضايق من هذا الشعور !؟
لكن لأنك لا تريد الرياء .. فأنت متضايق, لا تهتم بالشيطان لأنك إذا اهتممت به كبر في قلبك .. انوي الإخلاص , و لو قال لك الشيطان : أنت مرائي ألف مرة ,  فلن تكون عند الله مرائي     و الحمد لله انتهت المشكلة !

إذا صح منك الود فالكل هين *** و كل الذي فوق التراب تراب
فليــتك تحلو و الحياة مريرة *** و ليتك ترضى و الأنام غضاب
و ليت الذي بيني و بالتغابن:*** و بيني و بين العـالمين خراب

ومع الإخلاص يكون الحياء وهو أن تستحيي من الله تعالى باتباع الاوامر واجتناب النواهي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( استحيوا من الله حق الحياء  قلنا يا رسول الله إنا نستحيي من الله والحمد لله. قال: ليس ذلك ولكن من استحيى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى وليحفظ البطن وما حوى وليذكر الموت والبلى ومن أراد الأخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء))
معنى الحديث..
(استحيوا من الله حق الحياء)
أي استحيوا من الله قد استطاعتكم لأنه من المعلوم أن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بكل ما عليه تاما كاملا لكن كل على حسب طاقته ووسعه قال تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) التغابن :16
(قال قلنا: إنا نستحي والحمد لله)
أجابوا بذلك لأنهم قصدوا أنهم يفعلون كل مليح ويتركون كل قبيح على حسب استطاعتهم فرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ليس المقصود هذا العموم
لأن هناك شروطا للحياء حق الحياء فليس كما يظنون:
1/ (أن يحفظ الرأس وما وعى) أي ما جمع من الأعضاء: العقل والبصر والسمع واللسان. قال تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) الإسراء :36
2/ (وليحفظ البطن وما حوى) أي يحفظ بطنه وما في ذلك من حفظ الفرج عن الحرام فيحفظ بطنه من أن يدخله طعام حرام أو من مال حرام فالبدن نبت ويقوى من الطعام، والرب عز وجل لا يقبل من عبده أن يتقوى على طاعته، بمطعم حرام ولا مشرب حرام لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا.
3/ (وليذكر الموت والبلى) أن يذكر الموت دائما لأننا في هذه الدنيا لسنا مخلدين وإنما سنموت وسنرجع وسنقف بين يدي الله تبارك وتعالى قال صلى الله عليه وسلم :(أكثروا من ذكر هادم اللذات).

ومن أنواع الحياء من الله:
الحياء من نظر الله إليه في حالة لا تليق، كالتعري كما في حديث بهز بن حكيم عندما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ فقال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك)

جاء رجل إلى الحسين بن علي رضي الله عنه فقال له: أنا رجل عاصي ولا أصبر عن المعصية فعظني. فقال الحسين: (افعل خمس وافعل ما شئت) قال الرجل: هات. قال الحسن:(لا تأكل من رزق الله وأذنب ما شئت). قال الرجل: كيف ومن أين أكل وكل ما في الكون من رزقه. قال الحسين اخرج من أرض الله وأذنب ما شئت) قال الرجل: كيف ولا تخفى على الله خافيه. قال الحسين:( اطلب موضعا لا يراك الله فيه وأذنب ما شئت) قال الرجل: هذه أعظم من تلك فأين أسكن. قال (إذا جاءك ملك الموت فادفعه عن نفسك و أذنب ما شئت) قال الرجل: هذا محال قال الحسين: ( إذا دخلت النار فلا تدخل فيها وأذنب ما شئت). فقال الرجل: حسبك لن يراني الله بعد اليوم في معصيه أبداً.

     فأجل أنواع الحياء من الله، لما تعظمينه بجلاله وجماله وكبريائه وعظمته سبحانه فتستحين منه هذا الحياء هو الذي يوجب لك كمال الإيمان...
الحياء من الله عز وجل لّما يدعوك داعي الإيمان وداعي الإخلاص وداعي التوبة والعفو وحسن الخلق فتكونين أول المستجيبين فأفعل ما يحبه وأجتنب عن ما يكره.
        فالله يحب أن ندعوه، ونحن نحب أن أيستجيب لنا ولا شك في أن ما يحبه هو أجمل بكثير مما نحبه نحن.. وفي كل خير  ، فلا تحزني إن لم يستجب الله دعاك.. فربُنا لم يؤجل إجابته عبثا ولا هملاً، بل فعل ذلك لحكمة يعلمها ولا نعلمها فانتظر هذه الحكمة إلى أن تنكشف لك بجمالها، وقد فعل ذلك سبحانه مع من هو خير مني ومنك -يعقوب عليه السلام- يعقوب جلس يدعو ربه أربعين سنه لكي يرد الله عليه ابنه وحبيبه يوسف عليه السلام حتى أنه فقد عينه من شدة البكاء، وبعد كل هذه السنوات استجاب الله دعائه.
أما نحن ليس لدينا دعوة معينه ننتظرها من أربعين سنه إلى الأن لم تتحقق وفي نفس الوقت نحن لسنا أفضل من يعقوب عليه السلام ... فلماذا اليأس!!

ولتعلم أنه سبحانه أحيانا قد يحرم العبد من شيء معين في حياته ومن أجل أن يعطيه لذة أكبر منه، وهي لذه الدعاء التي هي أحلى من لذة الشيء نفسه الذي فقده.
إذا ما آداب الدعاء وما كيفيه حتي أنالُ هذه اللذة ... ألاً اعلمي أن الله تعالى قال:( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) وقال: ( إذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون)
فأخلصي الدعاء له سبحانه فالدعاء عبادة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الدعاء هو العبادة)) رواه الترمذي.
اسألي الله تعالى بأسمائه الحسنى، قال تعالى: ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه)
و أثني عليه قبل الدعاء بما هو أهله روى الترمذي عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد إذ دخل رجل فصلى فقال: اللهم اغفر لي وارحمني، فقال رسول الله ((عجلت أيها المصلي إذا صليت فقعت فاحمد الله بما هو أهله وصلي علي، ثم ادعه))
استقبل القبلة ... عن عمر بن خطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاث مئة وتسعة عشر رجلا
فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مدَّ يديه فجعل يهتف بربه: ( اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آتِ ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه على منكبيه... الحديث
قال النووي رحمه الله في شرح مسلم: فيه استحباب استقبال القبلة في الدعاء ورفع اليدين فيه.
ونص الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله في الشرح الممتع أنها تكون مضمومة ونص كلامه ( وأما التفريج والمباعدة بينمها فلا أعلم له أصلا لا في السنة ولا في كلام العلماء) أ.هـ
وعليك أختي أن تُقنين بالله حق اليقين قال رسول الله (( ادعوا الله وأنتم موقنون بإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاهِ)) رواه الترمذي
فمن استعجلت الإجابة فلتعلم أن يقينها بالله نقاص وإخلاصها به شوائب ... فعليك أن تكثري المسألة مع يقينك بأن الله تعالى لن يخذلك قال رسول الله صلى (  لا يُستجاب للعبد مالم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم مالم يستعجل قيل: ما الاستعجال؟ قال: يقول قد دعوت و قد دعوت فلم يستجاب لي فيتحسر عند ذلك ويدع الدعاء)) رواه البخاري.

ومن أداب الدعاء الجزم فيه لقول الرسول (( لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له))

وعليك أخيه أن تتضرعي لله تعالى وتخشعين له وترغبين فيما عنده وأن تخافي من عقابه قال تعالى: (( ادعوا ربكم تضرعاً وخفيه)) وقال: (( إنهم كانوا يسارعوا في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين))

اللهم الهمنا و ارشدنا واهنا صراطك المستقيم  اللهم احفظنا بحفظك، وتقبل منا دعاءنا ، واجعلنا عندك من المرضيين، المقبولين مجابين الدعوة برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم صلى على محمد وعلى اله وصحبه أجمعين.
                                                                                      أ .  ه




جمعه وكتبه: روان بنت سعود الشمري
تويتر : rawan2121@          البريد: rawan304@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق